الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

80

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الحال من الضمير المنصوب في حَشَرْناهُمْ ، أي حشرناهم وقد عرضوا تنبيها على سرعة عرضهم في حين حشرهم . وعدل عن الإضمار إلى التعريف بالإضافة في قوله : عَلى رَبِّكَ دون أن يقال ( علينا ) لتضمن الإضافة تنويها بشأن المضاف إليه بأن في هذا العرض وما فيه من التهديد نصيبا من الانتصار للمخاطب إذ كذبوه حين أخبرهم وأنذرهم بالبعث . وجملة لَقَدْ جِئْتُمُونا مقول لقول محذوف دل عليه أن الجملة خطاب للمعروضين فتعين تقدير القول ، وهذه الجملة في محل الحال . والتقدير : قائلين لهم لقد جئتمونا . وذلك بإسماعهم هذا الكلام من جانب اللّه تعالى وهم يعلمون أنه من جانب اللّه تعالى . والخطاب في قوله : لَقَدْ جِئْتُمُونا موجه إلى معاد ضمير عُرِضُوا . والخبر في قوله : لَقَدْ جِئْتُمُونا مستعمل في التهديد والتغليظ والتنديم على إنكارهم البعث . والمجيء : مجاز في الحضور ، شبهوا حين موتهم بالغائبين وشبهت حياتهم بعد الموت بمجيء الغائب . وقوله : كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ واقع موقع المفعول المطلق المفيد للمشابهة ، أي جئتمونا مجيئا كخلقكم أول مرة . فالخلق الثاني أشبه الخلق الأول ، أي فهذا خلق ثان . و ( ما ) مصدرية ، أي كخلقنا إياكم المرة الأولى ، قال تعالى : أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ ق : 15 ] . والمقصود التعريض بخطئهم في إنكارهم البعث . والإضراب في قوله : بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً انتقال من التهديد وما معه من التعريض بالتغليط إلى التصريح بالتغليط في قالب الإنكار ؛ فالخبر مستعمل في التغليط مجازا وليس مستعملا في إفادة مدلوله الأصلي . والزعم : الاعتقاد المخطئ ، أو الخبر المعرّض للكذب . والموعد أصله : وقت الوعد بشيء أو مكان الوعد . وهو هنا الزمن الموعود به الحياة بعد الموت . والمعنى : أنكم اعتقدتم باطلا أن لا يكون لكم موعد للبعث بعدا لموت أبدا . [ 49 ] [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 49 ] وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ( 49 )